المسعودي

329

مروج الذهب ومعادن الجوهر

أشك أن هذا الشخص قد اجتمع له الأمران جميعاً ، فإن كان هذا الشخص ( 1 ) قد علم كل ما راسلته به ، وأجابني عليه من غير مخاطبة ولا مواقفة ولا مباحثة ، فليس في وقته أحد يدانيه في حكمته ، ولا يلحقه في علمه ، وتأمل الفيلسوف الإسكندر فأدار إصبعه السبابة على وجهه ، ووضعها على أرنبة أنفه ، وأسرع نحو الإسكندر وهو جالس على غير سرير ملكه ، فحياه بتحية الملوك ، فأشار إليه الإسكندر بالجلوس ، فجلس حيث أمره ، فقال له الإسكندر : ما بالك حين نظرت إلي ورميت بطرفك نحوي أدرت إصبعك حول وجهك ووضعتها على أرنبة أنفك ؟ قال : تأملتك أيها الملك بنورية عقلي وصفاء مزاجي ، فتبينت فكرتك في ، وتأملك لصورتي ، وأنها قلما تجتمع مع الحكمة ، فإذا كان ذلك كان صاحبها أوحد أهل زمانه ، فأدرت إصبعي مصداقاً لما سنح لك ، وأريتك مثالًا شاهداً ، كما أنه ليس في الوجه إلا أنف واحد فكذلك ليس في دار مملكة الهند غيري ، ولا يلحق أحد من الناس بي في حكمتي ، فقال له الإسكندر : ما أحسن ما تأتَّى لك ما ذكرت ، وانتظم لك بحسن الخاطر ما وصفت ، فدع عنك هذا ، وأخبرني ما بالك ( 2 ) حين أنفذت إليك قدحاً مملوءاً سمناً غرزت فيه إبراً ورددته إلي ؟ قال الفيلسوف : علمت أيها الملك أنك تقول : إن قلبي قد امتلأ وعلمي قد انتهى كامتلاء هذا الإناء من السمن ، فليس لأحد من الحكماء فيه مستزاد ، فأخبرت الملك أن علمي سيزيد ( 3 ) في علمك ، ويدخل فيه دخول هذه الإبر في هذا الإناء ، قال : فأخبرني ما بالك ( 4 ) حين عمل

--> ( 1 ) زيادة في بعض النسخ . ( 2 ) في بعض النسخ « ما بدا لك » . ( 3 ) في بعض النسخ « أن علمي يستزيد في علمه » . ( 4 ) في بعض النسخ « ما بدا لك » .